تعلُّم

يناير 20

6 قراءة لمدة دقيقة

سيكولوجية "التجمّد": لماذا يعتبر الدماغ أوامر وقف الخسارة بمثابة جروح جسدية؟

من كتابة Mykyta Shevchenko

هل سبق لك أن وجدت نفسك تحدق بلا حراك في الشاشة بينما تتكبد صفقتك خسائر فادحة؟ تدور في رأسك أفكار مثل: “ستتحسن الأمور الآن”، “السوق ببساطة يُقلل السيولة”، “لا أستطيع الإغلاق الآن، الألم لا يُطاق”. تدخل في حالة “تجمّد”.

المشكلة ليست نقصًا في المعرفة، بل تكمن في أن جسمك في هذه اللحظة يخضع لسيطرة الجهاز الحوفي القديم، الذي لا يُبالي بخطة تداولك.

العامل الأول – علم الأعصاب للألم: لماذا يُؤلمك تسجيل خسارة في حسابك؟

تُظهر دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي حقيقةً لافتة: عندما يُسجل المتداول خسارة، تنشط نفس مناطق الدماغ التي تنشط أثناء الصدمة الجسدية – القشرة الجزيرية الأمامية والقشرة الحزامية الأمامية.

بالنسبة لعقلك الباطن، لا يختلف إغلاق صفقة خاسرة عن ضرب إصبعك بمطرقة. فالدماغ يُدرك خسارة المال كتهديد للبقاء. لهذا السبب، تنشط آلية دفاعية – الإنكار. نتجاهل لا شعوريًا المعلومات السلبية (الأرقام الحمراء) ونبحث عن أي إشارات إيجابية (ارتدادات على الرسم البياني للدقيقة الواحدة) لتجنب الألم “الجسدي” لتسجيل خسارة.

العامل الثاني – فخ “تجنب الخسارة”

أثبت الحائزان على جائزة نوبل، دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي، أن ألم خسارة 1000 دولار أشد بمرتين من فرحة الحصول على المبلغ نفسه. في التداول، يتجلى هذا في عدم تناسق سلوكي:

● عندما نحقق ربحًا، نصبح متجنبين للمخاطرة (نغلق الصفقة مبكرًا جدًا حتى لا نخسر ما لدينا).

● عندما نتكبد خسارة، نصبح مدمنين على المخاطرة (نبدأ في خوض المزيد من المخاطر، ونحاول تعديل المتوسط، ونأمل، فقط لكي لا نضطر إلى الاعتراف بالهزيمة).

هذه غريزة فطرية. في البرية، قد يعني فقدان مورد (الطعام) الموت، بينما كان الحصول على موارد إضافية مجرد مكافأة سارة. في سوق الأسهم، تعمل هذه الغريزة ضدك.

العامل الثالث: رد فعل التجمّد

في علم الأحياء، توجد ثلاثة ردود فعل للضغط النفسي: المواجهة، والهروب، والتجمّد. عندما يتحرك السعر ضدك، لا يمكنك “مواجهة” السوق أو “الهروب” منه (إذا كنت قد اشتريت بالفعل). يبقى رد الفعل الثالث – التجمّد. في هذه الحالة، يتوقف عمل القشرة المخية الحديثة (الجزء العقلاني من الدماغ). تفقد قدرتك على التفكير المنطقي. تشاهد فقط رأس مالك يتلاشى، متمنيًا حدوث معجزة. هذا هو “التجمّد” النفسي.

لماذا لا يُعدّ “الأمل” عاطفةً، بل فخًا معرفيًا؟

عندما تتحول صفقة ما إلى الخسارة، يُفعّل الدماغ آليات دفاعية:

  •  تأثير تجنب اتخاذ القرار (“حتى أُغلق الصفقة، لا تبدو الخسارة حقيقية.”)
  • وهم السيطرة (“لا يزال بإمكاني فعل شيء ما؛ السوق فقط يُعاكسني مؤقتًا.”)
  • استبدال الاحتمالية بالتاريخ (“لقد انخفض السوق من قبل ثم تعافى، لذا سيتعافى الآن.”)
  • من المهم فهم أن الأمل في التداول ليس إيمانًا، بل هو شكل من أشكال الإنكار.

لماذا لا تُجدي قوة الإرادة نفعًا في هذه الحالة؟

1. “صمام الأمان” البيولوجي: قوة الإرادة مورد محدود

قوة الإرادة (أو ضبط النفس) هي وظيفة قشرة الفص الجبهي في الدماغ. تكمن المشكلة في أن هذا الجزء من الدماغ يستهلك كمية هائلة من الطاقة (الجلوكوز).

عندما تتداول طوال اليوم، وتحلل الرسوم البيانية، وتتخذ القرارات، فإن “مخزونك” من قوة الإرادة ينضب. يُسمى هذا باستنزاف الأنا. عندما يتحرك السعر ضدك، وتحتاج إلى إغلاق الصفقة، قد يكون الفص الجبهي ببساطة “مستنزفًا”. عند هذه النقطة، تتولى اللوزة الدماغية زمام الأمور – مركز الخوف القديم، الذي لا يملك القدرة على التفكير المنطقي، بل على البقاء فقط.

محاولة إغلاق صفقة خاسرة بقوة الإرادة أشبه بمحاولة رفع ثقل 200 كيلوغرام بعد ماراثون. ببساطة، تكون مواردك قد استُنفدت.

2. التنافر المعرفي: قوة الإرادة تحمي صوابك

غالبًا ما تُوجَّه قوة الإرادة لا لاتباع القواعد، بل لحماية الأنا. عندما تفتح صفقة، فإنك تُنشئ “فرضية” حول العالم (على سبيل المثال: “سيرتفع الدولار”). إذا انخفض السعر، ينشأ التنافر المعرفي: تتعارض معتقداتك مع الواقع.

عند هذه النقطة، تبدأ قوة الإرادة بالعمل “ضدك”: تُستنفد في البحث عن أعذار تجعلك على صواب، والسوق على خطأ. أنت تُوظِّف قوة الإرادة لتحمُّل الألم بدلًا من إيقافه.

3. تضييق نطاق الوعي

عندما تتعرض لخسارة مفاجئة، يفرز جسمك الكورتيزول والأدرينالين. هذه الهرمونات تُدخل دماغك في حالة “الرؤية النفقية”. ينحصر وعيك في نقطة واحدة – شكل الخسارة الأحمر.

في حالة التوتر الحاد، تتوقف الوظائف الإدراكية العليا (بما في ذلك قوة الإرادة والتخطيط طويل المدى) فسيولوجيًا. يتدفق الدم بعيدًا عن قشرة الفص الجبهي إلى العضلات (استعدادًا للهرب أو القتال). تصبح حرفيًا عاجزًا عن التفكير في لحظة الخسارة الفادحة. إن مطالبة شخص في هذه الحالة بقوة إرادته أشبه بمطالبة شخص يغرق بحل مسائل رياضية.

نصيحة عملية: لا تُدرّب قوة إرادتك، بل درّب انضباطك.

كيف تخدع حدسك: خوارزميات الخروج الجامدة

بما أننا لا نستطيع تغيير طبيعة الدماغ، علينا تغيير البيئة التي نتخذ فيها قراراتنا. إليك أربع تقنيات تساعدك على تجنب الفخاخ العصبية البيولوجية:

أ. مبدأ “الدخول المدفوع”

توقف عن اعتبار أوامر وقف الخسارة خسائر. اعتبرها تكلفة دخولك إلى الصفقة. في عالم الأعمال، تدفع الإيجار والرواتب – هذه ليست خسائر، بل نفقات. أوامر وقف الخسارة هي نفقات تشغيلية للمتداول. إذا وصل السعر إلى أمر وقف الخسارة، فهذا يعني أن “تذكرتك” قد انتهت، وعليك مغادرة السوق.

ب. قاعدة “التنفيذ التلقائي”

لا تحدد أمر وقف الخسارة “بشكل تلقائي”. سيحاول جهازك الحوفي إقناعك دائمًا بالانتظار خمس دقائق أخرى. استخدم فقط أوامر الخادم الثابتة. أمر وقف الخسارة الصحيح:

  • يُحدد قبل الدخول،
  • يُحسب بناءً على هيكل السوق، وليس على أساس الألم،
  • لا يُناقش بعد الدخول.

ج. “وقف الخسارة المؤقت”

إذا لم يتحرك السعر في صالحك خلال عدد معين من الساعات، أغلق الصفقة، حتى لو لم يتم تفعيل وقف الخسارة. فالصفقة العالقة تُرهق ذهنك وتستنزف طاقتك الذهنية، حتى لو بقي السعر ثابتًا.

د. تقنية “المسافة”

فكّر في المخاطرة ليس بالدولار، بل بوحدات المخاطرة (R). خسارة 500 دولار تبدو مؤلمة، بينما خسارة وحدة مخاطرة واحدة (1R) تبدو مجرد إحصائيات جافة. كلما قلّ ربطك للأرقام الظاهرة على الشاشة بمشتريات حقيقية (هاتف جديد، عطلة)، كلما ضعف رد فعل الفص الجزيري من دماغك. يتجاهل العديد من المتداولين قيمة الدولار في نتائجهم، ويكتفون بالنقاط والوحدات.

هـ. القبول المبدئي للخسارة

يقوم المحترفون بما يلي ذهنيًا: “لقد خسرت هذا المال بالفعل. لنرَ الآن ما إذا كان السوق سيحقق لنا ربحًا إضافيًا”. هذا يقلل بشكل كبير من التوتر النفسي والخوف من التشبث بالخسارة.

تطبيق عملي لكاهنمان وتفيرسكي: كيف “تعيد برمجة” التفكير

في كتابه “التفكير، سريعًا وبطيئًا”، يقسم دانيال كاهنمان دماغنا إلى نظامين: النظام 1 (سريع، حدسي، عاطفي) والنظام 2 (بطيء، منطقي، يتطلب جهدًا). ​​التداول وفقًا للنظام 1 طريقٌ إلى الإفلاس.

إليك بعض الطرق المحددة المستندة إلى نظريتهما والتي ستساعدك على إغلاق الصفقات الخاسرة في الوقت المناسب:

1. تقنية النظرة الخارجية

وجد كاهنمان أننا نميل إلى امتلاك “نظرة داخلية” – فنحن نعتبر صفقتنا مميزة.

نصيحة: عندما تتكبد خسارة، اسأل نفسك: “لو رأيت هذا الرسم البياني لأول مرة ولم يكن لدي مركز مفتوح، هل كنت سأشتري هنا؟” إذا كانت الإجابة “لا”، فأغلق الصفقة فورًا. أطلق تفيرسكي على هذا “التخلص من التعلق بالماضي”.

2. التغلب على تأثير التملك

نحن نُقدّر ما نملكه بالفعل أكثر مما لا نملكه. بمجرد فتح صفقة، تُصبح مُرتبطًا بها عاطفيًا، ويُصبح التخلي عنها (إغلاقها بخسارة) أصعب بكثير.

نصيحة: استخدم “اختبار الاستبدال”. تخيّل أنه بسبب خلل فني، أُغلقت صفقتك الخاسرة تلقائيًا الآن. هل ستفتحها مرة أخرى بنفس السعر؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فأنت مُتمسك بها فقط بسبب “تأثير التملك”.

3. التخلي عن “الحساب الذهني”

وصف تفرسكي وكاهنمان مفهوم “الحساب الذهني”. نفتح “حسابًا” منفصلًا في أذهاننا لكل صفقة، ونتجنب بشدة إغلاقه برصيد سالب.

نصيحة: قسّم الصفقات إلى سلاسل. لا تُقيّم نتيجة صفقة واحدة. قل لنفسك: “تتكون خطتي للتداول من 20 (50، 100) صفقة. هذه الصفقة تحديدًا مجرد ضوضاء إحصائية”. عندما تنظر إلى رأس مالك الإجمالي بدلًا من التركيز على صفقة واحدة “خاسرة”، يقل ألم تعويض الخسارة. في صناديق التحوط، يتم تقييم الاستراتيجية على أساس 100 صفقة كحد أدنى.

4. التغلب على مغالطة التكاليف الغارقة

هذه هي المغالطة الأخطر: فكلما استثمرنا وقتًا ومالًا أكثر في صفقة ما، كلما صعب علينا التخلي عنها. نعاقب أنفسنا بالاستمرار في تكبّد الخسارة، على أمل تبرير التكاليف السابقة.

نصيحة: ينصح كانيمان باتخاذ القرارات بناءً على التوقعات المستقبلية فقط، متجاهلًا تمامًا حجم الخسائر السابقة. فالأموال السابقة ضاعت إلى الأبد. السؤال الوحيد المهم هو: “أين سيكون رأس مالي أكثر فائدة خلال الساعات الأربع القادمة؟”

5. استخدام “التحليل الاستباقي”

لضمان عدم خذلان إرادتك في لحظة حاسمة، نصح كانيمان باستخدام “التحليل الاستباقي”. قبل فتح صفقة، تخيّل أنها أُغلقت بالفعل عند مستوى وقف الخسارة ونتج عنها خسارة. اسأل نفسك: “لماذا حدث هذا؟” عندما تختبر سيناريو الخسارة مسبقًا، يتوقف تأثيره على عقلك، ويبقى “النظام الثاني” مسيطرًا على زر “الإغلاق”.

كلمة أخيرة

التداول نشاط غير طبيعي للبشر. لم تتطور أدمغتنا للتداول في سوق الفوركس. لتصبح محترفًا، عليك التوقف عن مقاومة السوق والبدء في مقاومة طبيعتك البيولوجية.

تذكر: المتداول المحترف ليس من يُصيب دائمًا، بل من يُقرّ بخطئه بسرعة وسلاسة. درّب عقلك على فهم أن أمر وقف الخسارة ليس هزيمة، بل هو حمايتك الأساسية من الإفلاس.